الشيخ محمد النهاوندي

175

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ بيّن حال الكفّار بقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا باللّه ورسله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة أُولئِكَ البعداء عن الرحمة أَصْحابُ الْجَحِيمِ وملازمو النار ، لاخلاص لهم منها . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 20 ] اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 20 ) ثمّ لمّا كان الكفر والنفاق بسبب حبّ الدنيا وشهواتها ، أخبر سبحانه بحقارتها وسرعة زوالها بقوله : اعْلَمُوا أيّها الناس أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ومشتهياتها التي لا يراد بها التوصّل إلى السعادة الأخروية لَعِبٌ وعمل يتعب الانسان نفسه فيه بغير غرض عقلاني ، كعمل الصبيان الذي يتعبون أنفسهم فيه بغير فائدة وَلَهْوٌ واشتغال باللذائذ السريعة الزوال ، السيئة العاقبة ، والوخيمة المآل ، الموجبة للحسرة والندامة ، كأشغال الشّبّان التي ليس غرضهم منها إلّا التذاذ النفس مع الغفلة عن وخامة عاقبتها وَزِينَةٌ وتحسين للظاهر في الأوهام مع عدم حقيقة وواقعية له ، كلبس الملابس الفاخرة ، وركوب المراكب الفارهة ، والسكونة في المساكن البهية الحسنة ، ونظائرها كتزيين النّسوان صورهنّ للرجال وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ بالمزايا الجسمانية الزائلة بالأمراض والموت ، كالقوة والقدرة والجمال والنسب والرئاسة ونظائرها وَتَكاثُرٌ وتزايد فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ . ومن الواضح أنّ هذه الأمور الجامعة للمشتهيات النفسانية الدنيوية ، ممّا يستحقرها العقل السليم ، ولا يعتني به العاقل الفهيم ، لسرعة زوالها ، وعدم فائدة مهمة لها ، مع استلزام توجّه النفس إليها فوات فوائد عظيمة باقية . ثمّ أكّد سبحانه حقارة المشاغل الدنيوية السريعة الزوال ، المفوّتة للمنافع الأخروية بضرب مثل لسرعة زوال الدنيا بقوله : كَمَثَلِ غَيْثٍ ونظير مطر نافع أنبت بنزوله من الأرض اليابسة النباتات النافعة بحيث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ والزارعين الذين يكفرون ويسترون البذور بالتّراب نَباتُهُ وما يخرج من الأرض بسببه . وقيل : إنّ المراد بالكفار الكافرون باللّه ، فانّهم أشدّ إعجابا بزينة الدنيا « 1 » . بل إعجابه مختصّ بهم ، لأنّ نظرهم إلى المحسوسات ، وأمّا المؤمنون فإنّهم لا يعجبهم نموّه وخضرته ، وإنّما يعجبهم قدرة

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 234 ، تفسير البيضاوي 2 : 470 .